محمد سالم أبو عاصي

62

علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف

" التشريع القرآني " وخلود أحكامه ، وذلك منذ طوى التاريخ صفحة أسباب النزول من الوجود . . أقول : كل ذلك زور من القول قد استوفينا الرد عليه في كتابنا : " أسباب النزول : تحديد مفاهيم ، ورد شبهات " . كما أنبّه إلى أن الأصل في الصيغ التي يفيد ظاهرها العموم " التعميم " ؛ إذ ذلك هو المتبادر من الصيغة عند الإطلاق والتجرد عن القرينة ، فما زلنا نعلم بالبداهة أن الصيغ العامة والمطلقة ( عن قيود الزمان والمكان والأحوال والأشخاص ) لا تصلح للدلالة على أكثر من المعنى الذي وضعت له ، ولا سلطان للعصور أو الظروف في تغيير شيء من قانون هذه الدلالة أو تضييق شيء من عمومها . فالأسباب - كما قلنا - تعين على حسن تفهّم الآيات التي نزلت مقترنة بها ، من غير أن تكون ذات سلطان على دلالته العامة ، فتحدّها وتمنع امتدادها ؛ إذ وظيفة السبب - كما قلنا - وظيفة كشف وإبانة عن حركة المعنى في النظم ، وهادية لمسالك الفهم ، وليست مانعة طلاقة المعنى ، وشمول سلطانه على ما يستحدث . فالقول بحصر الدلالة فيما جاءت به أسباب النزول وأد لدلالة النص ، وهي دعوى يتسلل منها إلى بيان أن نصوص القرآن لا تتجاوز دلالتها زمن الوحي . وهذا ما نبّه إليه الأصوليون وعلماء القرآن من أن " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " . . فاحذر ما يقوله ملاحدة هذا العصر ، عبيد يهود ، من أن ارتباط الآيات بأسباب نزولها يرفع عنا التكليف بما فيها .